محمد متولي الشعراوي

731

تفسير الشعراوي

الجهة في الإيمان منفكة ؛ لأنه سيأتي ذكر الملائكة واليوم الآخر وكلاهما غيب ، وبعد ذلك سيذكر الكتاب والنبيين ، وهما محسوسان . صحيح أن الكتاب أمر محس والنبيين كذلك ، لكننا لم نحس أن اللّه أنزل الكتاب ، وأن اللّه بعث النبيين . ونحن لم نكن على قيد الحياة وقت نزول الكتاب ولا وقت بعث النبي ، وجاء إيماننا لأننا صدقنا أن اللّه أنزل وحيا على محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، هذا الوحي نزل بالكتاب ، وأن اللّه اختار محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليكون مبلغا لهذ الوحي ، وكل هذه أمور غيبية لم نرها . والغيبيات هي أرضية الحركة الإيمانية ؛ أو أساس الإيمان . وبعد ذلك تنتقل الآية من الحديث عن الأمر العقدي ، لتبين لنا أن البر مكون من أمور عقدية هي أساس لأمور حركية ، والأمور الحركية هي المقصودة من كل تدين . فالحق سبحانه لا يعنيه أن يؤمن به أحد ، ولا يعنيه أن تؤمن بملائكته ، وكتبه ورسله ، لكن الأمر الذي يريده اللّه هو أن تنتظم حركة الحياة في الأرض بمنهج اللّه ، ولذلك ينتقل الحديث إلى الأمر المادي فيقول : « وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ » كأن الإنسان قد ملك المال وبعد ذلك « آتاه » . وعندما تقول : « آتيت » فهي تعنى أعطيت ، وهي تختلف عن « أتيت » التي تعنى « جئت » . وما هو المال ؟ إن المال هو كل ما يتمول إلا أننا نصرفه إلى شئ يمكن أن يأتي بكل متمول وأسميناه بالنقد . وأصبحت له الغلبة ؛ لأننا نشترى بالنقد كل شئ ، لكن المعنى الأصلي للمال هو كل ما يتمول ، وكيف يجئ المال لك أو لي أو لأي إنسان ؟ . أخرج أحد منا من بطن أمه وهو يملك شيئا ؟ . لا . إن ما يملكه الإنسان يأتي إما من متحرك في الحياة قبلك إن كان والدك أو جدك ، وإما من حركتك أنت . إذن لا يقال : « آتَى الْمالَ » إلا إذا ثبتت له حركة ذاتية يصير بها متمولا ، أو ورث